المواقع الأثرية

ما هو الموقع 9؟

أشهر موقع في وادي الهودي أطلق عليه العالم أحمد فخري اسم “الموقع 9”. يُرجع تاريخه إلى عصر الدولة الوسطى (2000 إلى 1700 قبل الميلاد) ومن المحتمل أن يكون قد تأسس في عهد الملك سنوسرت الأول. يتضمن الموقع مستوطنة مستطيلة، ومنجم لمعدن الجمشت، ومناطق لتكرير الجمشت في وسط قاع وادي المسطح. تم تشييد الجدران في المستوطنة من صخور صغيرة المكدسة والمأخوذة محليًا من سطح الموقع ومن حطام عمليات التعدين.

تشمل المستوطنة ثلاثة أقسام هيكلية رئيسية، كما وصفها إيان شو بالمناطق (أ – ب – ج)، تقع المنطقة (أ) في الركن الجنوبي الغربي وتتكون من مبنيين تم تشييدهما بطريقة جيدة للغاية يفترض أنهم كانت بمثابة مناطق سكنية وإدارية وتخزين لكبار المسؤولين. تقع المنطقة (ب) على الجانب الشرقي من المستوطنة وهي امتدادًا تم بناؤه على الموقع 9 بواسطة بعثة استكشافية لاحقه أعادت استخدام الموقع مجددًا. بحسب خطتها، كانت المنطقة (ب) مُعده لتكون منطقة تخزين إدارية، ونأمل أن نتحرى عنها المزيد في الموسم المقبل. أما المنطقة (ج) كانت على الأرجح فناء مفتوح مع هياكل صغيرة في وسط المستوطنة. ومن المحتمل أن تكون هذه المناطق قد استخدمت لأغراض متعددة. فهناك دلائل على أن اللوحات (الأحجار المنقوشة) كانت موجودة في الموقع 9 قبل ذلك. اكتشف العالم أحمد فخري بعض هذه اللوحات هناك ونقلها بالفعل إلى متحف أسوان. فنظرًا لعدم وجود صخور كبيرة طبيعية في الموقع 9 لنحت النقوش عليها، فقد كانت معظم النقوش موجودة على لوحات قائمة بذاتها، ولكونها مرئية ومحمولة فقد اختفت على مدار الـــ 4000 عام الماضية أو تم إحضارها إلى المتاحف خلال القرن الماضي.


ما هو الموقع 5؟

يتكون الموقع 5 من مستوطنة كبيرة ومنجم لمعدن الجمشت ومنطقة لتكرير الجمشت بعد استخراجه. يعود تاريخ المستوطنة إلى عصر الدولة الوسطى (حوالي 2000 إلى 1700 قبل الميلاد)، تم تأسيسها لأول مرة في عهد الملك منتوحتب الرابع، ولكن أعيد استخدامها أيضًا في الرحلات الاستكشافية اللاحقة. نحن الآن بصدد دراسة الآثار لبيان كيف تم إعادة استخدام الموقع وتجديده وتوسيعه بمرور الوقت. فمن المتوقع أن تكشف هذه الدراسة عن المراحل المتعددة من استخدام الموقع وإعادة هيكلته خلال الدولة الوسطى. على عكس الموقع 9، شُيدت مستوطنة الموقع 5 على قمة التل، وحرص مصمموها على دمج المناظر الطبيعية والصخور بهيكل المستوطنة من أجل منحها مستوى إضافيًا من الحماية. على سبيل المثال، تتبع أجزاء من جدران السياج حوافًا طبيعية عالية بحيث يبدو الجدار الذي يبلغ ارتفاعه مترين أعلى بكثير لمراقب يقترب من المنحدر السفلي. وبالمثل، تم استخدام الصخور الضخمة الطبيعية كبوابات أو جدران وأرضيات غرف مختلفة. على عكس أي مستوطنة أخرى معروفة في مصر القديمة، يتضمن الموقع 5 جدارًا مزدوجًا. مازلنا بحاجة إلى فحص هذا الأمر تفصيليًا بمزيد من التفصيل، لكن يبدو أن جدار السياج الخارجي يحمي كل شيء داخل المستوطنة، بما في ذلك مناطق سكن العمال. هناك جدار داخلي يفصل مناطق سكن العمال عن المناطق الإدارية والتخزينية الواقعة في الجزء العلوي من التل. نظرًا لأن الصخور الهائلة كانت موجودة في جميع أنحاء الموقع 5، فقد كانت أسطحًا ملائمة للناس لنحت النقوش. هناك أكثر من 100 نقش لا يزال موجودًا بكافة إرجاء موقع 5 تمثل دلائل للأشخاص الذين عاشوا هناك.


ما هو الموقع 6؟

يقع الموقع 6 على قمة جبل مرتفع بجوار الموقع 5. وانطلاقًا من وجهة النظر هذه، يجوز لأي شخص أن يرى مسافة كيلومترات في جميع الاتجاهات، ويمكن للمرء أن يرى خطوط رؤية واضحة للمواقع 4 و 5 و 9 وغيره من المواقع. كانت هذه المنطقة خلال حقبة الدولة الوسطي بالفترة ما بين (2000 إلى 1700 قبل الميلاد) موقعًا عسكريًا حيث يجلس الجنود لساعات يشاهدون أسفلهم. وفي وقت فراغهم، رسموا أكثر من مائة نقش حول هذه القمة، في مكان واحد مما كون “لوحة نقش” واسعة. تتضمن نقوشهم أسماء وألقاب وصور الجنود، وكذلك كلابهم وأسلحتهم وصنادلهم وغيره. ومع ذلك، لم يكونوا أول من كتب هذه الصخور. قبل حوالي 1000 عام كانت التضاريس أكثر ملاءمة للبدو الرعاة الذين يجوبون الصحراء لإطعام قطعانهم. فقد قام عدد قليل من هؤلاء الرعاة الرُحل بنحت صورهم وصور للماشية وحيوان الوعل على هذه الصخور (حوالي 3000 قبل الميلاد). من المثير للاهتمام أن جنود الدولة الوسطى قاموا بدمج بعض هذه المنحوتات الصخرية القديمة في نقوشهم الخاصة. على سبيل المثال، رسم أحد جنود الدولة الوسطى نفسه يطعن بقرة تم رسمها قبل 1000 عام.



ما هو الموقع 4؟

الموقع 4 هو موقع أثري شاسع اكتشفه لأول مرة العالم أحمد فخري، ولكن لاحقًا لم يزوره أي باحث حتى بدء عمل بعثة وادي الهودي الاستكشافية. إنها مستوطنة تقع في الوادي بين تلين مرتفعين ومنجم لمعدن الجمشت. بالرغم من إعادة استخدامها من قبل العديد من بعثات التعدين، إلا أنها كانت مأهولة بالسكان خلال فترتين متباعدتين.

تم بناؤه لأول مرة واستخدامه على نطاق واسع خلال حقبة الدولة الوسطى بالفترة ما بين (2000 إلى 1700 قبل الميلاد)، وبعد ذلك إرسال إليها بعثات استكشافية خلال العصرين البطلمي والروماني بالفترة ما بين (القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي)، حيث جددت وأعيد استخدامها بالكامل مرة أخري. تتميز المستويات الأثرية بوضوح المرحلة الزمنية كما في الموقع 9، لا يوجد أي صخور كبيرة طبيعية تقريبًا على أرض الموقع 4. وبالتالي، فإن أي نقوش كبيرة يجب أن تُنقش على مسلات قائمة بذاتها. عثر كلاً من أحمد فخري وبعثة وادي الهودي على حوالي 20 لوحة أو شظايا في الموقع 4 يعود تاريخها إلى الدولتين الوسطى والحديثة، وربما كان هناك لوحات أكثر، لكنها اختفت على مدار 4000 سنة من تاريخ الموقع، أو حتى أعيد استخدامها خلال العصرين البطلمي والروماني.

تقع المناطق الإدارية والتخزينية الرئيسية بالكتل المركزية لأرضية الوادي. ومن ضمن أشياء أخرى، وجدنا العديد من القطع الفخارية المكسورة (قطع فخار مكسورة مع نقوش مكتوبة عليها) بالإضافة إلى أختام وأختام انطباعية وهي عبارة عن (أحجار صغيرة استخدمها المسئولين لطبع شاراتهم وانطباعهم على الطين المرفقة بصندوق أو خطاب أو حقيبة). تشير هذه القطع الأثرية إلى إدارة يقظة تشرف على عمليات التعدين.



ما هو الموقع 8؟

كان فريق أحمد فخري أول من قام بتحديد الموقع 8 في عام 1952 [i]، ثم قام كلٌ من إيان شو وروبرت جيمسون بزيارة الموقع مرة أخرى لفترة قصيرة في عام 1992 [ii]. هذا الموقع هو الأقرب إلى أسوان ويقع على سهل رملي بين تلال جرانيتية. عرّف فخري الموقع 8 في الأصل باعتباره موقعًا لبئر على الأرجح، ولكن بعد دراسة السطح وإجراء أعمال التنقيب في الموقع، فإننا نختلف مع هذا التعريف. حُفرت في العصور القديمة ثلاث حفرات متوسطة الحجم في هذه المنطقة، نعتقد أنها كانت لمحاجر وليس لآبار. تُشكّل المخلفات الناتجة عن هذه الحفرات تلًا كبيرًا في وسط الموقع، شُيدت بعد ذلك حوالي 10 أكواخ كبيرة على جوانب هذا التل. يضم الموقع آثارًا من عصر الدولة الوسطى والعصر البطلمي والعصر الروماني، بما في ذلك لوحة بقمة مستديرة وقاعدة خالية من النقوش من عصر الدولة الوسطى. حُفر خندق اختبار أولي للتنقيب في واحدة من هذه الحفرات في عام 2021. كشف هذا عن مستويات أفقية ضيقة جدًا من الرمال ناتجة عن سقوط الأمطار لآلاف السنين. ووفقًا لرأي الجيولوجي د. محمد حمدان من جامعة القاهرة [iii]، لم تكن هذه الحفرة بئرًا في يوم من الأيام وذلك نظرًا لاستواء التصدعات الأفقية؛ ولو كانت بئرًا، فإن تحرك المياه في القاع كان سيُحدث تموجات في هذه المستويات. بالإضافة إلى ذلك عثرت البعثة على قطع من حجر الكوارتز الحليبي. كما لم توجد أدلة تدعم وجود بئر هنا؛ فلا يوجد سلم أو مقابض للوصول إلى قاع البئر ولا يوجد أثر لأواني مياه مكسورة. وهكذا يستمر سعينا للعثور على أي مصادر قديمة للمياه في وادي الهودي، ولكن حتى الآن فإن الرأي الأكثر ترجيحًا هو أن قوافل الإمدادات المتواصلة كانت ضرورية لجلب الطعام والمياه من وادي النيل إلى بعثات التعدين هنا.

[i] Fakhry, A.  The Inscriptions of the Amethyst Quarries at Wadi El Hudi.  Cairo: Government Press, 1952.

[ii] Shaw, I, and R. Jameson.  “Amethyst Mining in the Eastern Desert: A Preliminary Survey at Wadi El-Hudi.”  Journal of Egyptian Archaeology 79 (1993): 81-97.

[iii] عن طريق اتصال شخصي


الموقعان 11، 12

كان أحمد فخري أول من قام بتحديد الموقعين 11، 12 في عام1952 [i]. يقع الموقع 12 عند قاعدة جُرف شديد الانحدار يستقر في وادٍ مستتر. أتت إلى هذا الوادي مجموعاتٌ صغيرةٌ من الناس مرات عديدة على مدى مئات أو آلاف السنين للتعدين على نطاق محدود، بما في ذلك في عصر الدولة الوسطى والعصر الفارسي والعصرين اليوناني والروماني. وليس من الواضح نوع الحجر الذي كان يُستخرج هنا؛ ومع ذلك فإن حجر الجمشت هو المرشح الأكثر احتمالًا لأن الموقع على نفس الخط الجيولوجي لمحاجر الجمشت الأخرى ولعدم العثور على مناجم ذهب في المنطقة. ومع ذلك، فقد شهد الجانب الآخر من الجبل خلف الموقع 12 تعدين الذهب حديثًا، وربما في العصر الإسلامي أيضًا (الموقع 20 والموقع 46). تنتشر بالموقع 12 تلالٌ من مخلفات الحفر وملاجئ صخرية وبقايا أثرية بشكل غير منتظم. وفي وقت غير معلوم شُيّد جدارٌ حول المحجر من ثلاثة جوانب. وفي بعض الأماكن شُيد هذا الجدار فوق تلال مخلفات الحفر القديمة. يُظهر هذا الجدار أيضًا العديد من أنماط البناء المختلفة كل بضعة أمتار، مما يشير إلى أن العديد من الأشخاص قاموا ببنائه. ونظرًا للجرف شديد الانحدار الذي يحيط بالموقع 12 فقد أدى هطول الأمطار الغزيرة في الصحراء إلى اندفاع سيول من المياه إلى هذا المحجر المهجور. لذا ربما صار هذا المحجر المهجور بغير قصد مصدرًا للمياه في الصحراء في يوم من الأيام.

يطل الموقع 11 على الموقع 12 من قمة جبل مرتفعة ولكنها قريبة. وتأخذ أسوار الموقع السكني شكل المنحدر الجبلي بمسارات شديدة الانحدار تؤدي إلى الجوانب الداخلية لأسوار الموقع السكني، الذي كان قصير الأجل، ومع ذلك فهو موقعٌ نادرٌ من العصر الفارسي في الصحراء الشرقية. ومن المحتمل أن تكون بعثة استشكاف قد قامت بأنشطة التعدين بالقرب من الموقع لفترة زمنية محدودة في عصر حكم الإمبراطورية الفارسية الأخمينية لمصر. وربما كان الموقع السكني المحصن بالموقع 11 مرتبطًا بوجود فارسي أكبر ومؤقت في وادي الهودي في الوقت ذاته. عُثر على عدد قليل من الأمفورات من العصر الفارسي بالموقع 5، وعلى وجه لوحة حورس (WH143) بالموقع 6، وعلى سبعة نقوش آرامية تؤكد وجود الفرس في وادي الهودي في عام 476 قبل الميلاد.[i] 

تمكن فريق البعثة من تسجيل ملاحظات أولية ورسم خرائط للموقعين 11، 12 في عام 2016. ولكن للأسف سيطر المنقبون عن الأحجار والمعادن سواء بصفة مشروعة أو غير مشروعة على المنطقة منذ ذلك الحين، وتعرض الكثير من الأدلة الأثرية للتدمير في السنوات القليلة الأخيرة فحسب.  

[i] B. Porten and A. Yardeni.  Textbook of Aramaic Documents from Ancient Egypt.  Winona Lake, Eisenbrauns, 1999, pp. 281-284, D22.46-51.

[i] Fakhry 1952.


الموقعان 13، 14

كان أحمد فخري أول من ذكر الموقعين 13، 14 في عام 1952. كان الموقع 14 منجمًا قديمًا لاستخراج الذهب وكان يُستخدم منذ العصر الإسلامي. زار الموقع الرحالة هانز-يواخيم فون دير إش في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين وقامت روزماري وديتريش كليم بدراسة الموقع بإيجاز في عام 1933.[i] تواصل شركة تعدين حديثة حاليًا عمليات استخراج الذهب، ولم يعد منجم العصور الوسطى موجودًا اليوم. في العصور القديمة كان عمال المناجم الذين يعملون بالموقع 12 يحضرون الذهب الخام إلى الموقع 13 لمعالجته، وهو الموقع الذي يبعد عنه نصف كيلومتر. يقع الموقع 13 على نتوء هائل من الحجر الرملي وبه ملاجئ طبيعية تتمثل في الكهوف والفراغات المكونة في الصخور. يزيد طول محيط الموقع عن 1.5 كيلومتر وتشكل تلال الحجر الرملي به مستويات عديدة من طبقات استخدام الموقع. تتناثر في كل أنحاء المنطقة مئات المساحات ومئات الآلاف من القطع الأثرية المرتبطة باستخدام الموقع ومعالجة الذهب في العصور الوسطى، مما يشير إلى أنه كانت هنا مدينة كثيفة السكان في يوم من الأيام، ولا بد أنها كانت مرتبطة بعمل منظم لإنتاج الذهب. وتنتشر في كل أنحاء الموقع النقوش العربية المبكرة وفخار النبي صموئيل المستورد من سوريا وفلسطين ومئات من الرُحِيّ المصنوعة من حجر الديوريت والأدوات الأخرى. يعود تاريخ هذا الموقع السكني على الأرجح إلى حقبة ما في القرنين التاسع والعاشر عندما بدأت عمليات استخراج الذهب المنظمة في أسوان وزاد إنتاج أنشطة التعدين في الصحراء الشرقية.

كان الموقع 13 بالإضافة إلى معالجة الذهب موقعًا مهمًا لسببين آخرين. السبب الأول هو أنه كان على الأرجح محطة على طريق قوافل الجمال المؤدي من الصحراء وساحل البحر الأحمر عبر وادي الهودي إلى وادي أبو عجاج ومن هناك إلى أسوان. ولا تزال خطوط سير الجمال مرئية في صور الأقمار الصناعية للوادي، وتظهر ثلاث مناظر لجمال في الرسومات المنفذة على الصخور في القسم الغربي من نتوء الحجر الرملي بجوار الوادي. والسبب الثاني هو أن الموقع 13 كان منطقة سكنية مبكرة مهمة في العصر الحجر القديم الأوسط كما يدل على ذلك المستوى بالغ الأهمية والكثيف لأدوات العصر الحجري القديم والمنتجات الثانوية. ومن المحتمل أن المياه كانت تجري في العصر الحجري القديم عبر المجرى المائي لوادي الهودي جاعلةً هذه الكهوف الطبيعية من الحجر الرملي ملاجئ مثالية للإنسان المبكر في سهل عشبي يشبه السافانا، وهو ما كان أكثر ملاءمة بقدر كبير مما كان عليه في العصر المصري القديم أو اليوم.

[i] Fakhry 1952; von der Esch, H. Weenak – Die Karawane Ruft, Leipzig, F.A. Brockhaus, 1941; Klemm, R. and D. Klemm.  Gold and Gold Mining in Ancient Egypt and Nubia, Munich, Springer, 2013.


ما هو الموقع 21؟

الموقع 21 هو موقع سكني لاستخراج حجر الجمشت من العصر النوبي الوسيط، وهو معاصر لعصر الدولة الوسطى. لم تكن البعثات المصرية القديمة الكبيرة هي الوحيدة التي تقوم بأنشطة التعدين في الصحراء الشرقية في عصر الدولة الوسطى (حوالي 2000-1700 قبل الميلاد). فقد كانت هناك مجموعات صغيرة من أشخاص آخرين أيضًا قاموا بأنشطة التعدين على نطاق محدود كما نرى في الموقع 21. وعلى الرغم من أن الأشخاص الذين عملوا بالموقع 21 لم يكونوا على الأرجح في نفس الوقت الذي كانت تعمل فيه البعثات المصرية الكبيرة، فهم لم يتفاعلوا معها لأن مجموعات القطع الأثرية لا تتداخل ولا توجد مسارات بين المواقع. يُظهر الموقع 21 أن استخراج حجر الجمشت في وادي الهودي شمل مجموعات من الأشخاص لم تكن مذكورة سابقًا في النقوش الهيروغليفية التي تم تسجيلها بالمنطقة.

يقع الموقع 21 فوق سهل رملي وصخري كبير شَيّد عليه الناس 13 معلمًا بالأحجار الجافة. أربعة منها تمثل أكواخ كبيرة يبلغ عرضها عادةً حوالي 2-3 أمتار وارتفاعها مترًا مع وجود أفنية ومصدات رياح مرتبطة بها. تقع هذه المعالم على مسافات متباعدة جدًا بالموقع، فغالبًا ما يبعد كل معلم عن الآخر خمسين مترًا. في القسم الشمالي من الموقع 21 يقع المعلم 11 الذي لا يزال بحالة جيدة، وقد قمنا بإجراء أعمال التنقيب فيه عام 2023. يُؤرخ هذا المعلم من أواخر الأسرة 11 إلى منتصف الأسرة 12. ومن المثير للاهتمام أن حوالي 80% من الفخار المكتشف هنا يعود إلى العصر النوبي الوسيط. والفخار يشبه في زخارفه وطريقة نسيج الطين وتقنية التشكيل فخار المجموعة ج، ومع ذلك فهو يحتوي أيضًا على اختلافات مميزة. على سبيل المثال كانت بعض الأواني النوبية مصنوعة من طين الصحراء. وتشير هذه الحقيقة إلى أن صانعي الفخار الذين شكلوها قد جمعوا الطين من مصادر صحراوية وربما قضوا معظم حياتهم في الصحراء. وهذا يعني أن الأشخاص المرتبطين بهذه الأواني ربما كانوا نوبيين محليين يعيشون على الأقل جزءًا من الوقت في الصحراء. كما أن عمال المحاجر الذين كانوا يستخدمون الأواني ذات الطراز النوبي كانوا يأكلون ويشربون في عدد قليل من الأواني ذات الطراز المصري. وربما عاد عمال المحاجر إلى الموقع 21 للتعدين عدة مرات على مدى سنوات عديدة. وقد حافظوا على أماكن معيشتهم منظمة تمامًا، ربما كانوا ينامون في الكوخ ويعالجون حجر الجمشت الخام في الشرفة الواقعة أمام الكوخ ويقومون بالطهي في مكان منحدر قليلًا.   

أتت كذلك مجموعات صغيرة أخرى من الأشخاص إلى الموقع 21 للتعدين أيضًا. تُظهر أعمال التنقيب التي أجريناها في المعلم 4/5 في القسم الجنوبي من الموقع 21 أن أنشطة التعدين استمرت بالموقع خلال أواخر الأسرة 12 أو الأسرة 13. واستخدم الأشخاص الذين عاشوا في مجموعة الأكواخ هنا الفخار المصري في معظم الأحيان مع استخدام كميات قليلة من فخار العصر النوبي الوسيط.


ما هو الموقع 51؟

عندما قدمنا إلى الموقع 51 في يناير 2023 ظننا أننا أول من اكتشف هذا الموقع لأن أحمد فخري لم يذكره، كما لم يذكره غيره. ومع ذلك سرعان ما تفاجأنا عندما علمنا أن الموقع كان في واقع الأمر قد اكتُشف في ثلاثينيات القرن العشرين. كان المستكشف والدبلوماسي الألماني هانز-يواخيم فون دير إش أول من زار الموقع 51 كما سجل في كتاب رحلاته بعنوان “Weenak – die Karawane ruft”. عندما هبت عاصفة غير متوقعة، لجأ هو وفريقه من المرشدين البشاريين إلى الموقع 51 لمدة يومين  حيث سجل نقوشه الصخرية الكثيرة. وفي الواقع ربما كانوا هم نفس الأشخاص الذين حفروا نقشين بالكتابة العربية بتاريخ عام 1938. ومع ذلك لم يكونوا بأي حال من الأحوال أول من عاش هناك.

الموقع 51 هو واجهة صخرية من الحجر الرملي في القسم الشمالي الشرقي من طريق الصحراء الرئيسي عبر وادي الهودي. يشكل الحجر الرملي كهوفًا طبيعية تعتبر أماكن مثالية للراحة في الصحراء الشرقية. تبلغ مساحة أحد هذه الكهوف الطبيعية 8 في 10 أمتار ويبلغ ارتفاعه مترًا. والجو باردٌ تمامًا بداخله حتى في ظروف الطقس الحار غير المعقول. كما تشكل المساحة التي تقع بين هذه الصخور مسارًا طبيعيًا لتدفق المياه حيث تتجمع مياه الأمطار. يبدو أن الموقع 51 هو الموقع الذي أقام فيه البدو الرحل لأسابيع أو لأشهر عندما كانوا يرعون حيواناتهم عبر الصحراء. كان هذا المكان يُستخدم بشكل متقطع لآلاف السنين كما يتضح من الطبقة السميكة ذات الطابع الأثري. يؤرخ الفخار هنا بالأساس بالعصر الإسلامي، ومع ذلك عُثر على فخار أقدم على السطح، بما في ذلك فخار مصنوع يدويًا من العصر النوبي الوسيط. وثمة أكثر من خمسين نقشًا صخريًا في كل زاوية وشق. معظمها عبارة عن صور لحيوانات، بما في ذلك الحيوانات التي كان يجري رعيها والماشية والوعول وغير ذلك. ومع ذلك، ثمة كذلك نقشٌ من عصر الانتقال الأول أو من أوائل عصر الدولة الوسطى يذكر مستشكفًا مصريًا. وهناك أربع مجموعات من علامات الإحصاء، مما يشير إلى أن الأشخاص الذين عاشوا هنا كانوا يحصون شيئًا ما. عندما أقام البدو الرحل هنا، أمضوا الكثير من أوقاتهم في طحن المنتجات المختلفة على صخور الحجر الرملي. فتنتشر في كل أنحاء الموقع العشرات من بقع الطحن ورُحِيّ الطحن من مختلف الأحجام والأشكال.  


ما هو جنوب دهميت؟

جنوب دهميت هو على الأرجح أكبر موقع سكني محصن ومجمع تعدين من عصر الدولة الوسطى، وهو يقع في الصحراء في الجهة الجنوبية الشرقية من أسوان. كان كلٌ من جيمس هاريل وروبرت ميتيلشتيت أول من اكتشف هذا الموقع في عام 2013،[i] وفي يناير من عام 2023 أصبحت بعثة وادي الهودي أول فريق أثري يقوم بعمل مسح أولي لهذه المنطقة. يشبه موقع جنوب دهميت بشكل ملحوظ موقعي 5، 9 بوادي الهودي لدرجة أنه ربما قام الإداريون والعمال وناقلو خطوط الإمداد أنفسهم بتمهيد كل هذه المواقع. جرى استخدام موقع جنوب دهميت في معظمه في عصر الدولة الوسطى بالكامل، بما في ذلك الأسرة 13. ومع ذلك، توجد أدلة أيضًا على مستويات ضعيفة من استخدام الموقع أو إجراء زيارات قصيرة الأجل خلال عصر الدولة الحديثة والعصر البطلمي والعصر الروماني والعصر الإسلامي. 

يغطي الموقع السكني المحصن الرئيسي من عصر الدولة الوسطى في جنوب دهميت مساحة تزيد عن 100 متر في 60 مترًا. كانت المنشآت مشيدة هنا بالأحجار الجافة على أربع مراحل مختلفة حيث لا تزال الأسوار الأقدم والأطول قائمة على ارتفاع ثلاثة أمتار. تدعم هذه الأسوار سبعة حصون بها نوافذ صغيرة. يُظهر الموقع السكني مراحل إعادة بناء عديدة، بما في ذلك الأبواب والنوافذ المسدودة. يمكن تقسيم الموقع السكني إلى أربع مناطق رئيسية وفناءين كبيرين. وثمة وحدات معمارية مميزة عديدة بهياكل متجانسة خاصة بها. يبدو أن المنطقة التي أسميناها “A” في إشارة إلى تشابهها مع الموقع 9 بوادي الهودي هي المنطقة الإدارية الأكثر تحصينًا التي تُقسّم الموقع السكني إلى قسمين وتحد من الوصول إلى القسم الشرقي بأكمله. تحتوي المنطقة A على غرف عديدة بها ودائع سميكة من كسر الكوارتز، بما في ذلك عشرات القطع من حجر الجمشت التي لا تزال مرئية على السطح. وثمة طريقان أيضًا يؤديان من هذه الغرفة عبر بوابات الموقع السكني مباشرة إلى المحاجر. علاوة على ذلك يوجد نقشٌ للمدعو وسر-مونتو يُؤرخ بعهد الملك سنوسرت الأول[ii] يذكر أنهم قد أتوا إلى دهميت لاستخراج “حِسمِن” أي حجر الجمشت. وبسبب كثافة ركام هذه الغرفة ووجود حجر الجمشت ووجود هذا النقش يُرجح أن يكون موقع جنوب دهميت قد شُيد لتيسير استخراج حجر الجمشت. ولهذا السبب لم يعد وادي الهودي يُعرف بأنه المنطقة الوحيدة لاستخراج حجر الجمشت في عصر الدولة الوسطى.  

يوجد جنوب دهميت منجمان ضخمان ومنجمان متوسطا الحجم ومواقع سبر أو اختبار أخرى. المنجمان الكبيران لهما مسارات مشيدة جيدًا تؤدي إليهما وهي متسعة بما يكفي لمرور العمال في الاتجاهين وحمل كميات كبيرة من الصخور والمخلفات إلى الخارج. يحيط أكثر من عشرة مبانٍ صغيرة أو مصدات رياح بمنطقة التعدين الأكبر حيث يُنفّذ المستوى الأول من معالجة المعادن المستخرجة. يقع أيضًا مبنى صغير مليء بالأدوات بالقرب من المناجم حيث ربما كان يقوم أشخاصٌ بإصلاح الأدوات أو السلال للعمال عندما كانت تتلف.

على قمة التل الشمالي الذي يطل على جنوب دهميت توجد قمة تل مزدوجة على شكل سرج حيث تم إنشاء حوالي 30 ركامًا من الأحجار وفناء لركام الأحجار وست صخور قائمة. كما عثرت البعثة هنا على ثلاث لوحات لمسؤولين. كما توجد أعداد كثيرة جدًا من ركام الأحجار، مما يشير إلى أن هذه المنطقة قد شُيدت لأغراض أخرى وليس لأغراض الملاحة والمراقبة فحسب. وبمقارنة هذا الموقع بالمواقع السكنية الأخرى من عصر الدولة الوسطى المرتبطة بأنشطة التعدين مثل موقع ستيلا ريدج بجبل العصر[iii]، من الممكن استنتاج أن هذا التل المغطى بركام الأحجار ربما تم إنشاؤه لممارسة شعائر دينية. بالإضافة إلى هذا يمكن مشاهدة مسارات وأكواخ وركام الأحجار وظواهر أثرية أخرى في كل الأنحاء. تُظهر المعالم المتنوعة التي تمكننا من ملاحظتها شخصيًا أو عن بعد أن موقع جنوب دهميت كان على الأرجح مركزًا لشبكة واسعة من مواقع التعدين في عصر الدولة الوسطى.  

[i] Harrell, J. and R. Mittelstaedt.  “Newly Discovered Middle Kingdom Forts in Lower Nubia.”  Sudan & Nubia 19 (2015): 30-39.

[ii] Harrell and Mittelstadt 2015, 37.

[iii] Pethen, H.  “The Stelae Ridge Cairns: A Reassessment of Archaeological Evidence” in Proceedings of the XI International Congress of Egyptologists, ed. Rosati and Guidoitti, 2017: 485-490.


جارٍ المعالجة…
نجاح! أنتَ مدرج في القائمة.